يَا وَرْدَةَ عُمْري


((اُلْتّرْياقُ ))
     
يَا وَرْدَةَ عُمْري :
" تونُسُ مُشْتركُنا اُلْعَاطِفي... وإنْ سَرقَ منّا  سُراقُها اُلـْخُبزَ و اُلْدّمْع واُلْدّماء"
سليم دولة _ اُلْكاتب اُلـْحـُر
اشارة :
كتب أبو القاسم الشابي في مذكراته ليوم الثّلاثاء 28 جانفي 1930 " مَسْكينة هاته النّفُوس مَا أصْغَرَها وأَحْقرها وأَضْيق آفاقها ..".


1
قلْتُ لي عنْدَ هَذا اُلْليلِ اُلْــتّونسيِ وقدْ توغّل في بعْضِه
اذا ضَاقَتْ بكَ اُلْدُّنيا تذكّر أولا نجْمَةً  مِثْلكَ
أصْلهَا من ترابٍ .
تذكّر ثانيا أنّكَ لَسْت مُتشائِمًا, هي مُـجرّد غيمَة حُزن تمرّ بِسَماوات اُلِوطن .
وتذكّر  ثالثا أنّكَ لم تـَهْرَب حين مـِحْنَةٍ منَ اُلْبِلادِ ..
وتذكّر رابِعا أنّ الحرّ لا يخون نفْسه ..
قُلتُ لي : يا أيتّها اُلنّفْس اُلْأمّارة باُلْفَهْم  إذا لم أكُنْ قَدْ فهِمْتُ فأنيّ أحْسَسْتُ ...
2
انتهى "مَعْرض تونس الدولي للكتاب "، بسلام وهو أمر محمودٌ ومَررتُ به  أو لم أمرّ به أصلا َكما لو أني لَسْت تُونسيا يقيم في تونس _ هكذا كتبتُ ذات فجر تونسي _  كما لو أني لسْت كاتبا أصْلا وكاتبا حُرا تحديدا  لم ينتظر " الثّورة التونسية " لتُحرّرَه كما فَعَلَتْ مع الجُبناء  فِكْرا وكِتابة .. أقول لجميع جَماعة "اُلتّهريب الثوري" والتّرهيب الثقافي منّي ومن أمثالي  , أقول
لخدامّة الثّقافَة :  وفق   نظام الابجدية : ثمة فرقٌ رَهيفٌ بين اُلْتواضُع واُلْضَّعَة. التواضُع في غير موْضعه رذيلة كُبرى  : منْ منْكُم  واحدا واحدة دافَع أكْثر مِنيّ شخْصيا ,كُتابا على "شُعراء  شُنَعاء "على "فلاسفة زور وبـَهْرج " على "مُؤرّخين" فطاحِلة في " المديح " .. على رِوائيين  زئبقيين في مواقفهم السياسية .من دافعَ  عنْ " حُريّة التّفْكير ضدّ التّكْفير"  أكثر منيّ شخْصا ونصّا لسنوات طِوالٍ وطوالٍ وكادَت كتاباته  الحُرة  , الجريئة واُلْشّرسة
و" الوقحة " كذلك وأيضا ضدّ شوكة السّلطة وحُراسها . كادت تذْهبُ برأسه غير مأسوف عليه .
3
نعم " الدّفاع عن حرية التّفكير دون تكفير " وحرية تدبير الشأن الشّخْصي  دون أوامر...ومن أي شخْص   وفق عبارتي اُلْشّخصية التي سَطا عَليها أكثر من " جهْبذٍ "
و " كَهبذٍ " من اُلْكُتاب العَرب وهي مثبّتة في كتابي"كتاب الجراحات والمدارات " الصادر في تونس 1991 وفي لبنان في طبعة ثانية وفي سوريا الجريحة في طبعة ثالثة .إن تلك التّرضيات اُلْسريّة التي أرادها اُلبَعض معَي بعد " الثّورة "  فهي من باب إسْقاط الواجِب  الذي لا يليق بي . أليس كذلك ؟! ما أصْغر نفُوسَكم . تدبّرون رؤوسكم  على حساب "الثورة المغدورة" وعلى حساب تونس الوطن أصلا  بعقلية اُلْعِصابات وفقا للتّوصيف السوسيولوجي الدّقيق لمعنى العِصَابة, تأتمرون بأوامر  سلطة اليوم  السياسي  المنافقة المتنكرة لوعودها الإنْتخابية  لحما وعظما كما فعَلتُم مع سلطة الأمس . فمن درّس لشباب تونس  مثلا  الأنتروبولوجيا  الثقافية _ مثلا _قبل الأوان الرّسمي
و أنتروبولوجيا الديانات  " والأنظمة الانضباطيّة  وتبذير العنف باسم العدالة الجزائية " و أطْروحات إدْجار موران وعرّف به كما بسواه  من مثل ميشال فوكو قبلي منذ ثمانينات القَرْن الفَالت فى الثانويات اُلْتّونسية وهو كان ضيْف "معرض تونس  الدولي للكتاب" ذات سنة  مثلا . من كان يجازف  منْكم  بيداغوجيا ويعرّف بكتابات الشعراء الشبّان...المقموعيين على اختلاف مشاربهم  وجهاتهم لدى التلاميذ والطلبة   أيها " الديمقراطيون " جدا.من منكم لم يلْبد كما الأرانب زمن "الحدث النوفمبري " ليستفيد من " فضائل " الحزب الحاكم ...؟
4
تـُحِبون . والحب قاتل أحيانا و" هو حالةٌ من حالاتِ الموْت عند العرب " , كم تحبّون المداومة و القُعود عليها . أقْعدوا عليها كما قَعدَ عليْها الذين من قَبلكم وهي فعلا "حُلْوةُ اُلْرّضاع , مُرة الفِطامِ "  فهي ليست مُنتَصبة لحسابها الخاص  كما أنْتم  تفْعلون بلْ هي مُنتَصِبةٌ منْ أجْلكم أنتم دون سواكم , أقْصد  "السّلطة "بتلك الكَراسي وتلك الكراسي التي تُصْبعُكم رأْسا من كل الجِهات واحدا واحدة وتسْتطيبونـَها كمَا اُسْتَطابـَها كَذلِكَ وأيْضا اُلْذين من قبلكم وفي النهاية وجَدوا أنْفُسَهُم و"سَاقَيْ اُلْواحِدُ منْهم إلى اُلْسّقْفِ". أليس من الغريب أنَنا أحْفاد صَاحب " كِتاب العِبر " ولا نَعْتِبر   ذلك أننا  نُبْدِعُ  أيـّما ابداع عند
" المبتدأ" ونفشل في المرور الى " الخبر "  كما جاء في  رواية (أكّودة  1943) للكاتبة التونسية (هويدا) على لسان بطلتها تخاطب جنديا زمن الحرب العالمية الثانية:
" هذه البلاد ستكون دائما مُقدّمة لشيءٍ ما .أتَعرْف أنّ باي تونس ألغى اُلْعُبودية مُنتصفَ اُلْقرن اُلـْماضي قبل بِلادِكم ؟
نحن المبتَدأ ولكن بدون خبرٍ ,لا نَستطيع تَكْوين جملةٍ .لكننا نرفض الخَبر .نؤسس مُبتدأ و اُنتهى .بعدها ماذا؟
لا أدري.. ننام .؟ننْسى ؟هل هوّ جنون ؟هذَيان ؟لا أدْري أيضا نحن فقط نشرّع للعَالم اُلبِدايات ونَقِفُ .والعالم يَسْتولى على المبتدأ ويخْترِع له خبرا (...) في حين نظلّ نحنُ راكعين لما شرعْنا فيه وحكَمنا عليه بِالنُقصان. هكذا هُم نحْن . هَكذا هيّ تونس..."

5
كل من يتشبّث بكرسي مهما كان مجاله ويرفض اُلْتنحّى عنه
فهو" مأبون " بالقوّة والفِعل والتّاريخ و اُلْإنْتِساب اُلْسّلالي . يعيد المكرور والمكروه والممْجوج من تاريخ تونس  واُلْـمُثار ضدّه  أليست " الديمقراطية اُلْـحق إنما هي اُلْوعي بالحُدودِ .." وفق تعريفي الإجرائي  . ما أبلغ قول سُفيان الثوري " اذا نزل البلاء ذَهب اُلْـحياء " وفيكم... و بعقلياتكم الإسْتحواذية  تلك يكْمن اُلْبلاء ... وما أجمل كتاب " البغال " لأبي عمرو الجاحظ وحكاية " السّفهاء والنّعاج" أليس كذلك يا " جَلاغم " الثقافة وفَشْفاَشَة اُلنّْجومية الثقافية والسياسية.
من شدّة سهرَكم على  تنمية ثقافة القوادة و"القِفَافَة "
( علم هزانّ القُفّة ) كَبرتْ مؤخراتكم  وضُمرت رِقابكم ... واستعمالكم النقدي الفُلسوسي   لعقولكم. لُصوصٌ يَرثون
لُصوصا و يورّثون لُصُوصا ،،،
سلاما أيّها المنْشدون _ المنَاشِدون للمَعفور له سياسيا والمقيم بأرض الحِجاز ...ما أحْقركم وتَكابرون . ثمة اكثر من سببٍ لكتابة التاريخ اُلْثّقافي لتونس مثلا بغيْر ذلك الحبر,  الحِبْر اُلْرّسمي المكْذوب . هل هو تهديد ؟ من علّم كُتابكم
" الجرأة"  في التفكير واُلْتعْبير كُتابا وشُعراء ...زمن صمْتكم المهين للذات واُلْصّفات التي لا تليقُ بصاحِب قلم ...أو حتى صاحب " فرشاة أسنان " ." ماذا تغيّر عنْكم لحْن الجنازة أم أسنان قادتكم " كما كتب ذات سنة الشاعر المقيم محمد الصّغير
أولا أحْمد  نعم . لقد أسْقطت ...مَعْنى  اُلْصّداقة اُلْـمُزيّفَة. يحدْث لحذاءٍ عَسْكَري  وطني أن يكون أنْفع للوطن حجرا. وشجرا....  وتصريف مجاري مياه من أطنان "كُتبكم"  في
" تمجيدِ  الحَداثَة .." أو " القَدامَة " يا دُمى العَصر الخاسِر. لقد "طال بمثقّفي تونس السّفر لسنوات طوال وتقَطّع بهم اُلتّفَر " كما يقول المثل و" ارتخى منْهُم اُلْوتَرُ ". دجّنهم نظام " صاحب التغيير " فتغيروا...وترهّلوا  وهاهم اليوم يْكدَحُون  لصياغة سرْديات ثوريّة هُم الأبْطال فيها  بأحْبلتِهم اُلْصوتيّة لا غيْر. مزيد من اُلرّْقص . سوف أدَعُ الموتى إلى حين يدْفنون موتاهم أو يسْتحيونـهم وكل بقِناعِه ودواعيه .كتب ابو القاسم الشابي في مذكراته ليوم الثّلاثاء 28 جانفي 1930 " مَسْكينة هاته النّفُوس مَا أصْغَرَها وأَحْقرها وأَضْيق آفاقها ..". صحيح " أنّ" من عَارَضَ اُلْسّطان زَهدَ في اُلْدُنْيا " ليس ادبارا جَبانا عن كتاب الحياة وإنما شَحْذا حَاذِقا لإرادة الحياة تليقُ جماليّا بهذه اُلـْحَياة  على هذِه  الأرْض :  تونس مُشْتركنا العَاطِفي  وانْ سرق منّا  سُرّاقها  الخُبزَ واُلْدّمْع واُلْدّمَاء .
6
حينَ هذا الحين طارتْ بي أطْيار ذاكرتي الي إجابةٍ عن سؤال طرحه عليّ في حوار مطوّل كاتب تونسي ( كمال الرياحي ) صدر في كتاب( 2006) . قال لي: بــماذا نخْــتم هذا الحِوار؟
وكانت إجابتي:
"سلامي إلى الموْجوعينَ جميعا في اُلْوَطن اُلـْمُمْتدّ جُرحًا من اُلْوريدِ إلى اللّغة . يعْنيني أنْ أدوّن بالمداد الدّامي على بوّابات العَواصم العربيّة ما ورد في الأوراق اُلْقديمة  من كتاب " أم القُرى" للكواكبي : "...وهكَذا طول الأُلْفَة (..) قلَب في فِكرِهم الحَقائقَ وجَعَل عنْدهُم المخَازي مَفاخِر (...) يسمّون التّصَاغُرَ أدَبا واُلْتذلّل لُطفا والتمَلّقَ فصاحَةً وقَبول اُلْإهَانةِ تواضعًا والرّضا بالظُلم طَاعَةً (...) والإقْدام تهوّرا واُلـْحَمِيّة حَماقة واُلْشّهامَة شراسةً وحريّة القَول وقاحَة وحُبّ الوطن جُنونا "
آه  ... قُلْتُ لي : مَزيدٌ من "الشّراسَة ". مَزيدٌ من "اُلْوقاحة" مَزيدٌ من "الجُنون" . سلام .

Commentaires