
الحقيقة كلّ الحقيقة للتونسيين
تحوّلت وجهة اهتمام الرأي العام التونسي منذ عشيّة يوم الثلاثاء الفارط 23 ماي 2017 عن التحرّكات الاحتجاجية التي عرفتها عديد المناطق وبالأخصّ محافظة تطاوين الواقعة في أقصى الجنوب التونسي على الحدود مع الجارة ليبيا. فاهتمام التونسيين انصبّ على حدث اعتقال مجموعة من المواطنين من ضمنهم رجال أعمال وتجّار وموظّفون في الديوانة.
اعتقال نفّذته مجموعة أمنية تابعة لوحدة الأمن القومي التونسي التي تشكّلت في شهر نوفمبر 2016 وهي تابعة لرئيس الحكومة السيد يوسف الشاهد وقد أثارت عملية الاعتقال موجة من الجدل بين مختلف مكونات المشهد السياسي والإعلامي التونسي بما جعل الرأي العام ينسى بسرعة سقوط أحد القتلى في احتجاجات محافظة تطاوين التي كانت على خلفية المطالبة بالتشغيل وبمراجعة العقود البترولية ومنح الجهات الداخلية نصيبا من عائدات النفط توظّف في التنمية.
موجة الجدل التي رافقت حملة الاعتقالات توزّعت بين مساند للقرار الذي اتّخذه رئيس الحكومة بشكل فجئي تحت عنوان الحرب على الفساد وبين من اعتبر العملية مجرّد مغالطة للرأي العام وإلهاء له عن الاحتجاجات وتعليقا لما سمّي بالفشل الاجتماعي والاقتصادي للحكومة في ملفّي التنمية والتشغيل على شمّاعة ثلّة من المواطنين يشتبه في تورّطهم في عمليات تهريب وتنفّع مالي غير قانوني.

خروقات قانونية وانتقادات لطريقة الاعتقال
إلاّ إنّ طريقة اعتقال هؤلاء المواطنين والاحتفاظ بهم رهن الإيقاف أثارت أيضا جدلا من نوع أخر فهناك تخوّفات لدى أطراف سياسية مشاركة في الحكم وأخرى مدنية من أن تتحوّل حملة الحرب على الفساد إلى انقلاب على القانون وعلى الدستور التونسي وعلى مسار الانتقال الديمقراطي الناشئ في البلاد. حيث عبّرت جمعيّة القضاة في تونس عن تخوّفها من خروقات قانونية رافقت عمليات الاعتقال وتجاوزات من خلال الاحتفاظ بمواطنين في أوضاع وأماكن غير معلومة.
حزب حركة النهضة الشريك في الحكم والذي يحظى بالمرتبة الأولى في البرلمان بات يعيش حالة من التململ إزاء ما وقع وقد أشار في بيان مكتبه السياسي الصادر ليلة الأربعاء 24 ماي إلى ضرورة أن لا تكون الحرب على الفساد انتقائية مؤكّدا على وجوبية احترامها للقانون وعدم إخضاع مقاومة الفساد إلى المحسوبية عبر استهداف أفراد معيّنين وترك آخرين.
وبالرّغم من دعم النهضة للحرب على الفساد التي شرع فيها رئيس الحكومة وفرقته الأمنية إلا إنّ عناصر قيادية صلب هذا الحزب أشارت إلى خطورة استعمال قانون الطوارئ الذي بموجبه تم اعتقال المعنيين دون تحديد آجال زمنية لاعتقالهم ودون تمكينهم من حقّ الدفاع عن أنفسهم ومن إطلاع ذويهم على ظروف إيقافهم. وانتقدت هذه القيادات السياسية بشدّة ما اعتبرته تهميشا لمسار المتابعة القضائية الطبيعي باللجوء إلى قانون الطوارئ الصادر سنة 1978 والذي يعدّ قانونا مستندا إلى الدستور السابق وإلى الفقه القانوني الذي تأسّس عليه نظام الاستبداد الذي ثار عليه التونسيون.

الحرب على الفساد "كلمة حقّ أريد بها باطل"
شريحة هامّة من التونسيين هي الأخرى اعتبرت في حملة الاعتقالات المفاجئة والمطعون في قانونيتها كلمة حقّ أريد بها باطل، فقد انتقد اتحاد الشباب الديمقراطي (منظمة شبابية تضمّ العشرات من الجمعيات والمنظّمات) الحملة التي رأى فيها مناورة سياسية وعملا غير جدّي ومنقوص يهدف إلى إلهاء الرأي العام عن مطالبه في التنمية والتشغيل. واعتبر الاتحاد الشبابي أنّ الحرب على الفساد لا تكون إلاّ على قدم المساواة مطالبا رئيس الحكومة بأن يشمل بسلسة الاعتقالات أشخاصا نافذين في عالم السياسة والمال والإعلام. كما أشارت الكثير من مواقع التواصل الاجتماعي إلى ضرورة أن تطال الإيقافات شخصيات كانت وراء صناعة نظام بن علي الاستبدادي في تونس منبّهة إلى أنّ لوبيات قويّة تستفيد من الدولة لا يمكن لرئيس الحكومة محاسبتها أو مساءلتها.
ولم تخف الساحة السياسية التونسية في جزء هام منها قلقها من أن تدار الحرب على الفساد من قبل فاسدين آخرين يرفضون ما بات يعرف بأثرياء ما بعد الثورة في تونس ويسعون للتخلّص منهم بالاعتماد على حكومة يوسف الشاهد من أجل تأمين سيطرة هذه اللوبيات على الاقتصاد في تونس مستقبلا. وتصرّ بعض القراءات على أنّ رئيس الحكومة يوسف الشاهد يتّكل على مجموعة من الفاسدين ليحاسب مجموعة أخرى مؤمّنا بذلك ولاء ودعم المجموعة الأولى.
هذا وقد تساءل متابعون ناشطون في الساحة السياسية التونسية عن معنى الحرب على الفساد التي تستثني بعض الوزراء في حكومة الشاهد الحالية ومن ضمنهم وزير يرتدي ساعة يدوية قيمتها 95 ألف دينار وقد وجّهت له في وقت سابق اتّهامات بالفساد وبالتحيّل على شركة الخطوط الجوية التونسية عبر استغلاله لنفوذه.
كما يتساءل جزء من التونسيين عن مدى مصداقية رئيس الحكومة في حربه على الفساد مطالبين بأن تشمل الحرب جميع الأطراف التي أضرّت بالاقتصاد التونسي وبثروات الشعب وعطّلت نموّ البلاد وتطوّرها ورهنت بنيتها التحتية ومؤسساتها في وضعية من التخلّف والضّعف قبل الثورة بالأساس وبعدها وليس الاقتصار فقط على الذين رافقت أنشطتهم الاقتصادية الإخلالات والتجاوزات.
وفيما طالب كثيرون بمحاسبة أشخاص معّينين نادى الكثيرون بمحاسبة عائلات ثرية جدّا استفادت بأموال وامتيازات ضخمة زمن حكم زين العابدين بن علي على غرار العائلات التي تتحكّم في جزء كبير من القطاع النفطي وأخرى تسيطر على نسبة كبيرة من القطاع البنكي إضافة إلى أقرباء كبار المسؤولين ووزراء في الحكومة الحالية التي تدّعي محاربة الفساد وعائلة مستشار رئيس الحكومة الذي يدير عن طريق شقيقه وكالة أسفار حظيت بنسبة كبيرة من سوق السفريات والحج خلال سنة واحدة. كما يتساءل طيف واسع من التونسيين حول مدى قدرة ومصداقية رئيس الحكومة في فتح تحقيق حول تمويل الأحزاب السياسية في تونس خصوصا خلال السنوات التي تلت الثورة.
أسئلة يسوقها التونسيون على هامش حملة يوسف الشاهد ضدّ الفساد والتي لم تطح إلى الآن إلاّ بثلّة من المواطنين أبرزهم رجل أعمال يرجّح أنّه اعتقل نتيجة خصومة سياسية مع رئيس الحكومة.
هل يتعلّق الأمر بانقلاب في الأفق؟
وحول عدم خوض رئيس الحكومة ووحدته الأمنية الخاصة به في أمر هذه العائلات تساءل كثيرون هل يعني ذلك أنّ الحرب على الفساد تدار بمقاييس فاسدة هي الأخرى؟ وهل إنّ هذه الحرب بالإضافة إلى ما حقّقته من شهرة لرئيس الحكومة وما وفّرته عليه من متاعب مجابهة التحرّكات الاحتجاجية للجهات الفقيرة ستمضي فعلا في محاربة الفساد؟
الإشارة الخطيرة التي رافقت حملة الاعتقالات تعلّقت باحتمال أن يستغلّ رئيس الحكومة الحالي دعم وسائل الإعلام وعدد من الأحزاب السياسية للبروز كقائد سياسي قويّ يسعى للوصول إلى سدّة الحكم في تونس بطريقة أخرى لا تمرّ عبر صناديق الاقتراع.
فبعض السياسيين رأوا في إجراءات اعتقال ثلّة من المشتبه فيهم بجرائم الفساد وفقا لقانون الطوارئ وما رافق عملية الاعتقال من حملة إعلامية ممنهجة وقويّة بوادر لقفزة سياسية قد يقدم عليها رئيس الحكومة الحالي للاستيلاء على السلطة.
وقد برّر هؤلاء السياسيون استنتاجهم من خلال جملة من الملاحظات أهمّها أنّ عددا من أفراد الشرطة وضعوا صورة رئيس الحكومة يوسف الشاهد بدل صورهم الشخصية على صفحاتهم الخاصة في المواقع الاجتماعية فايسبوك، كما إنّ عملية تحشيد لشبكة من المنظّمات والجمعيات والأحزاب الصغيرة تجري حاليا للقيام بتظاهرات في الشارع دعما لشخص رئيس الحكومة هذا بالإضافة إلى أنّ نفس المجموعات السياسية التي كانت منذ أسابيع تدعو لمصالحة اقتصادية مع رجال الأعمال المشتبه فيهم في إطار مبادرة تشريعية من رئيس الجمهورية هي نفسها التي تدير حملة دعائية لدعم إجراءات رئيس الحكومة في محاربة الفساد.
ويبقى الاحتمال الأكثر متانة فيما يتعلّق بفرضية الانقلاب مرتبطا جوهريا بالانتقائية التي قامت عليها حملة محاربة الفساد والتي لم تطل أحدا من البارونات واللوبيات القوية بما يوحي بأنّ رئيس الحكومة يوسف الشاهد يحشّد وراءه هؤلاء لدعمه في القفزة التي ينوي القيام بها.
إلياس بن الشاذلي
رئيس جمعية الصداقة في الاتحاد المتوسّطي
رئيس جمعية الصداقة في الاتحاد المتوسّطي



Commentaires
Enregistrer un commentaire